قمة لندن: أوروبا بين وحدة الصف والتحديات الأمنية.. إختبار حقيقي لاستقلال القرار الأوروبي

قمة لندن: أوروبا بين وحدة الصف والتحديات الأمنية.. إختبار حقيقي لاستقلال القرار الأوروبي

شذرات إستراتيجية

بسم الله الرحمن الرحيم 

 

مصطفى بن خالد 

 

في عالم يموج بالاضطرابات، لم تأتِ قمة لندن التي عُقدت يوم الأحد، 2 مارس 2025، كاجتماعٍ عادي، بل كمنعطف حاسم يُعيد تشكيل أولويات القارة الأوروبية في ظل تصاعد التحديات الأمنية والاقتصادية. 

 

أجتمع قادة أوروبا لبحث مستقبل الدعم لأوكرانيا، وتعزيز قدراتهم الدفاعية، وإعادة تقييم علاقتهم بواشنطن، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تراجع الالتزام الأمريكي بأمن القارة.

 

القمة لم تكن مجرد استعراض دبلوماسي، بل كشفت عن خطوط التصدّع داخل الإتحاد الأوروبي، حيث يتأرجح الموقف بين التمسك بالتحالفات التقليدية والسعي نحو بناء إستقلالية إستراتيجية حقيقية.

 

أوكرانيا في قلب النقاشات.. إستمرار الدعم أم إعادة الحسابات؟

 

لم يكن مفاجئاً أن يحتل الملف الأوكراني أولوية القمة، وسط تساؤلات ملحّة حول مدى قدرة أوروبا على مواصلة دعمها لكييف، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها القارة. 

 

رئيس الوزراء البريطاني، مستضيف القمة، أعلن عن إتفاقية قرض بقيمة 2.26 مليار جنيه إسترليني لدعم القدرات الدفاعية الأوكرانية، وهو مبلغ سيتم تمويله جزئياً من الأصول الروسية المجمدة.

 

لكن، رغم هذا الالتزام البريطاني القوي، بدت هناك تباينات بين القادة الأوروبيين، حيث أبدت بعض الدول، مثل ألمانيا وفرنسا، تحفظاً على الاستمرار في سياسة الدعم المفتوح، مشددة على الحاجة إلى إيجاد حلول دبلوماسية أكثر استدامة، بدلاً من استنزاف الموارد في صراع يبدو بلا نهاية واضحة.

 

هل تدخل أوروبا سباق تسلح جديد؟

 

إحدى أبرز القضايا التي فرضت نفسها على طاولة القمة كانت إعادة تسليح أوروبا في مواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة. 

 

رئيس الوزراء التشيكي بيتر فيالا دعا إلى رفع ميزانية الدفاع الأوروبي إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي، معتبراً أن “أوروبا لا يمكنها البقاء رهينة للتقلبات السياسية في واشنطن”.

 

هذه الدعوة تعكس تحولاً استراتيجياً نحو تعزيز الاستقلال الدفاعي للقارة، في وقت باتت فيه الثقة في الحماية الأمريكية موضع تساؤل. 

 

ومع ذلك، يظل تحقيق هذا الهدف تحدياً، في ظل الانقسامات داخل الإتحاد الأوروبي بشأن كيفية توزيع الأعباء المالية والعسكرية بين الدول الأعضاء.

 

التصعيد أم التسوية؟ كيف تفاعلت روسيا مع نتائج القمة؟

 

على الجانب الآخر، لم تتأخر موسكو في الرد، إذ وصفت الخارجية الروسية القمة بأنها “استفزاز جديد” يهدف إلى إطالة أمد الحرب، واعتبرت أن أي محاولات لزيادة تسليح أوكرانيا لن تؤدي إلا إلى تصعيدٍ غير محسوب العواقب.

 

وفيما يرى بعض المراقبين أن التحركات الأوروبية قد تدفع روسيا إلى تشديد موقفها العسكري والسياسي، هناك من يحذّر من أن هذه السياسة قد تنتهي بإنهاك أوروبا نفسها، خاصة إذا تراجعت الولايات المتحدة عن دورها التقليدي كضامن أمني للقارة.

 

واشنطن في الخلفية.. هل بدأ عصر الاستقلال الأوروبي؟

 

رغم غياب الولايات المتحدة عن القمة، إلا أن ظلها كان حاضراً بقوة، مع تصاعد القلق الأوروبي من مستقبل العلاقة مع واشنطن، خصوصاً إذا عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وهو الذي لم يُخفِ رغبته في تقليص الالتزامات الأمريكية تجاه أوروبا.

 

هذا الواقع يدفع القادة الأوروبيين إلى إعادة رسم خارطة تحالفاتهم، بحثاً عن بدائل أكثر استدامة. 

 

ولكن، هل تمتلك أوروبا فعلياً القدرة على المضي قدماً في هذا الاتجاه دون أن تدفع ثمناً اقتصادياً وسياسياً باهظاً؟

 

الخلاصة: 

 

بين الضرورة والتحديات.. هل أوروبا أمام لحظة إعادة تعريف مصيرها؟

 

لم تكن قمة لندن مجرد اجتماع دبلوماسي روتيني، بل كانت لحظة إختبار حقيقي لقدرة أوروبا على رسم مستقبلها وسط عالم متغير. 

بين حتمية تعزيز استقلالها الأمني، وضرورة الحفاظ على التحالفات التقليدية، وبين مواصلة دعم أوكرانيا أو البحث عن مسار دبلوماسي أكثر استدامة، تبدو القارة أمام مفترق طرق مصيري.

 

السؤال الذي يفرض نفسه الآن: 

هل تمتلك أوروبا الإرادة والقدرة على تحقيق توازن استراتيجي جديد يحمي أمنها واستقرارها؟ أم أنها ستظل رهينة للأحداث، تتأرجح بين الضغوط الداخلية والمتغيرات الخارجية؟ 

 

الأيام القادمة ستحسم ما إذا كانت هذه القمة بداية لمرحلة جديدة من الاستقلال الأوروبي أم مجرد محاولة مؤقتة للتكيف مع واقع متقلب.

كلمات المفتاحية:

0 تعليق

أضف تعليقك

إلى الأعلى