المعلم اليمني بين مطرقة الفساد وسندان التجاهل : صمود في وجه العاصفة

المعلم اليمني بين مطرقة الفساد وسندان التجاهل : صمود في وجه العاصفة

شذرات إستراتيجية

بسم الله الرحمن الرحيم 

مـــصـــطــفـــى بن خالد 

 

 

على مرّ التاريخ، كان المعلم حجر الزاوية في نهضة الشعوب، وركيزة أساسية في بناء الأوطان .

 

 كل الفلسفات العريقة، والنظريات التربوية، والدساتير، ومبادئ الثورات وضعت المعلم في مكانته المستحقة، كقائد لصناعة الأجيال وضامنٍ لنهضة المجتمعات . 

 

لكن في اليمن، تحوّل هذا المعلم إلى مجرد رقم في كشوفات منسية، وصوت مختنق في زحام الحروب والأزمات، وكائن منهك يكابد الفقر والقهر والتجاهل .

 

المعلم اليمني.. ضحية صراع ووقود حرب

 

يختصر واقع المعلم اليمني حجم المأساة التي تعصف بالبلاد منذ عقد من الزمن، حيث لم يقتصر الأمر على إيقاف رواتبه أو تجاهل حقوقه، بل تم استهدافه بطرق مباشرة وغير مباشرة، في مشهد يعكس قبح الحرب وعبثية الصراع .

 

ففي المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، تم قطع رواتب المعلمين منذ عام 2016، في إطار سياسة ممنهجة لضرب التعليم وإفراغ المدارس من كوادرها، إما لدفع الشباب إلى جبهات القتال، أو لإحلال مشروع تعليمي بديل قائم على الفكر الطائفي. 

 

أما في المناطق المحررة، التي يُفترض أنها تحت إدارة “الشرعية”، فقد ظل المعلم أسير الوعود الزائفة، ورواتب لا تكفيه لأيام معدودة، بينما تعيش النخب السياسية على رفاهية الفساد والامتيازات والعبث بأموال الدولة والمانحين .

 

بين الفساد والإهمال.. المعلم اليمني في قائمة الضحايا

 

في ظل حكومات مأرب، وعدن، والرياض، لم يكن حال المعلم أفضل. فالرواتب التي تُصرف في المناطق المحررة لا تكفي لسد الرمق، في ظل تضخم اقتصادي متوحش، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وانهيار قيمة العملة التي يتلاعب بها المسؤلين . 

 

أما الترقيات والمستحقات المالية، فقد أصبحت مجرّد أحلام مؤجلة، ومجالاً للمساومات والرشاوى. والأسوأ من ذلك، أن وزارات التربية والتعليم في هذه الحكومات لم تتعامل مع قضية المعلمين بجدية، بل ظلّت تدير ملف التعليم وكأنه شأن هامشي لا يستحق الأولوية .

 

الحقيقة الصادمة أن الفساد المستشري في مؤسسات الدولة هو السبب الأول في انهيار التعليم، فبينما تُنفق ملايين الدولارات على سفريات المسؤولين، وصفقات السلاح، وتوظيف الأقارب في المناصب العليا، يعاني آلاف المعلمين من الجوع، والعوز، وانعدام الأمان الوظيفي، دون أي بادرة إنقاذ حقيقية .

 

انهيار التعليم.. مستقبلٌ في مهب الريح

 

تداعيات هذه الأزمة لم تتوقف عند المعلمين فقط، بل امتدت إلى التعليم برمته . 

 

فمع توقف التوظيف منذ 2014، وبلوغ آلاف المعلمين سن التقاعد، تواجه المدارس فراغاً خطيراً، فيما تعاني كليات التربية في الجامعات اليمنية من عزوف شبه كلي عن الالتحاق بها، بعد أن أصبحت مهنة التعليم رمزاً للمعاناة والفقر . 

 

والأكثر خطورة، أن آلاف الأطفال حُرموا من حقهم في التعليم، إما بسبب نقص المعلمين، أو بسبب الفقر الذي أجبر الأسر على دفع أبنائها إلى سوق العمل أو جبهات القتال .

 

المنظمات الدولية.. شريك في التجاهل؟

 

في خضم هذه الفوضى، يطرح سؤال نفسه : 

لماذا لم تدرج المنظمات الدولية قضية المعلمين والتعليم في أولويات مشاريعها الممولة في اليمن؟ 

 

لماذا تنشغل بقضايا أقل أهمية بينما تتجاهل خطر إنهيار المنظومة التعليمية؟ هل هو تقصير متعمد، أم أن المسؤولين اليمنيين أنفسهم لم يطرحوا هذه القضية بجدية على طاولات المانحين؟

 

استعادة الاعتبار للمعلم.. معركة من أجل المستقبل

 

إن السكوت عن مأساة المعلم اليمني هو سكوت عن كارثة وطنية تهدد مستقبل البلاد . 

 

فكل تأخير في معالجة هذه الأزمة يعني مزيداً من التدهور، ومزيداً من الأجيال التي ستنمو في بيئة جاهلة، يسهل استغلالها وتوجيهها نحو التطرف أو الفوضى .

 

إذا كانت الحكومات اليمنية الحالية عاجزة عن معالجة هذه القضية، فعلى المجتمع المدني، والمثقفين، والقوى الوطنية الفاعلة أن يتحركوا، ويضغطوا باتجاه إصلاح جذري ينصف المعلم، ويعيد له حقوقه المسلوبة . 

 

فبدون معلم قوي، لن تكون هناك جمهورية، ولن يكون هناك مستقبل لهذا الوطن الذي مزقته الحروب .

 

رسالة أخيرة.. لمن يهمه الأمر

 

إلى الحكومة اليمنية بجميع أطيافها، في كل المناطق والعواصم، إلى الحكومة الأمريكية، المملكة المتحدة،دول الاتحاد الأروبي، وإلى المنظمات الدولية كافة، وإلى كل من يملك صوتاً حراً في هذا العالم : 

 

أنقذوا المعلم اليمني قبل أن تفقدوا آخر خطوط الدفاع عن التعليم، والعلم، والهوية الوطنية اليمنية . 

 

فلا شيء أخطر على بلد من أن يُترك معلموه يموتون جوعاً، بينما تُمنح المناصب والامتيازات لتلاميذهم الفاشلين .

 

لك الله يا وطني الجريح

كلمات المفتاحية:

0 تعليق

أضف تعليقك

إلى الأعلى