شذرات إستراتيجية
بسم الله الرحمن الرحيم
مـــصـــطــفـــى بن خالد
في زمنٍ تداخلت فيه الأصوات وتشابكت المصالح، يبقى صوت الحكمة والعقلانية هو الأكثر صموداً في وجه العواصف.
وعندما يتحدث القادة التاريخيون، فإن كلماتهم لا تكون مجرد تحليلاً عابراً، بل شهادة حية على التجارب، ومرآة تعكس الحقيقة بوضوحٍ لا يحتمل التأويل .
تلقيتُ رسالة كريمة من فخامة الرئيس علي ناصر محمد تعليقاً على مقالي المنشور في “رأي اليوم” بعنوان “علي ناصر محمد… حكمة القائد ورهاب الخصوم!”، وهي رسالة تحمل في طياتها رؤية شاملة لمأساة اليمن ومسارات الحلول الممكنة .
لقد حمل الرئيس علي ناصر محمد، عبر عقودٍ من العمل الوطني، مشروعاً قائماً على الحوار والمصالحة وتوحيد الصف، واليوم يجدد موقفه الداعي إلى إنهاء الحرب واستعادة القرار الوطني المستقل، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي مزقت البلاد وجعلتها ساحة لصراعات لا نهاية لها .
في رسالته، يضع فخامته النقاط على الحروف، مشيراً إلى أن الحرب لم تدمّر فقط مؤسسات الدولة، بل مزقت النسيج الاجتماعي، وأفرزت كيانات متصارعة لا يستفيد منها سوى تجار الموت ومن يقف خلفهم .
كما يعيد التأكيد على أن اليمن لن يستعيد عافيته إلا عبر حوار يمني – يمني شامل، ومؤتمر وطني جامع يُعقد على أرض اليمن، ليضع حداً لهذه الأزمة المستمرة منذ سنوات .
ردي على هذه الرسالة لم يكن سوى تعبيرٍ صادق عن تقديري لموقف فخامته، وإيماني العميق بأن اليمن، رغم الجراح، لا يزال قادرًا على النهوض إذا توحدت الجهود، وصفت النوايا، ووضعت مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات .
أضع بين أيديكم نص الرسالة الكريمة من فخامة الرئيس علي ناصر محمد، متبوعةً بردّي عليها، ليكون الحوار مفتوحاً لكل من يحمل همَّ اليمن، ولكل من يؤمن بأن السلام ليس مستحيلاً، بل هو الخيار الوحيد لبناء مستقبلٍ مستقر وآمن .
العزيز مصطفى خالد،
أطلعنا على مقالكم بعنوان "علي ناصر محمد... حكمة القائد ورهاب الخصوم!" الذي نشر في
رأي اليوم، وما أحوجنا اليوم إلى رجال من أمثالكم، وكلامكم الذي يعكس رأي الملايين في اليمن وخارجها .
إنه ليس مجرد رد على بعض الأصوات والأقلام، بل يتضمن رؤية ورسائل هامة لمن يريد أن يفهم المشهد السياسي اليمني اليوم، والخروج من الصراعات والحروب التي مر بها اليمن منذ سنوات، وآخرها حرب 2015 التي ستدخل عامها الحادي عشر بعد عشرة أيام .
لقد أدت هذه الحرب إلى تدمير الدولة ومؤسساتها الاقتصادية والعسكرية، وتشريد الملايين داخل البلاد وخارجها، وتدمير النسيج الاجتماعي، ووصول نسبة الفقر إلى 82%، فضلاً عن إنهيار العملة .
بل إن الأخطر من ذلك أن اليمن أصبح فيها أكثر من رئيس، وحكومة، وجيش، ومجلس نواب وشورى. ولا يستفيد من هذا الوضع إلا تجار الموت والحروب ومن يقف خلفهم، ممن لا يريدون نهاية للحرب، لأن في نهايتها نهاية لمصالحهم .
لقد طالبنا أكثر من مرة بوقف الحرب واستعادة الدولة، واستعادة القرار الوطني والسيادة الوطنية .
وهذا ما أكدنا عليه في مقابلتنا مع BBC التي استمرت 45 دقيقة، حيث أكدنا فيها على الثوابت الوطنية وضرورة الخروج من الأزمة التي أشرتم إليها في مقالكم، ولم نُسِئ إلى أحد .
ومع ذلك، تعرضنا لهجوم من الذباب الإلكتروني ومن يقف خلفهم، وهو إمتداد للحملات التي تعرضنا ونتعرض لها بعد كل نشاط سياسي نقوم به .
ومع ذلك، لم نرد عليهم لا في الماضي ولا في الحاضر، بل نقول: سامح الله من يقف خلفهم .
ونؤكد أن كل هذه الحملات لن تثنينا عن المطالبة بوقف الحرب واستعادة الدولة برئيس واحد، وحكومة اتحادية واحدة، وجيش واحد .
وكما أكدنا أكثر من مرة، أنه لا إستقرار ولا سلام في اليمن والمنطقة إلا من خلال حوار يمني بين كافة القوى السياسية والاجتماعية دون استثناء، وعقد مؤتمر يمني في اليمن للخروج من هذه الأزمة بما يخدم مصلحة اليمن ووحدته وأمنه واستقراره وتطوره وازدهاره، لأن إستقرار اليمن هو إستقرار للمنطقة كلها، لما يتمتع به اليمن من موقع استراتيجي في خليج عدن، والمحيط الهندي، وشبه الجزيرة العربية، والبحر الأحمر وبحر العرب .
ونطالب على الدوام بأن لّا يتحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع وحروب، بل إلى ساحة سلام للدول المطلة عليه وللعالم أجمع .
خواتم مباركة وكل عام وانتم بخير
علي ناصر محمد
فخامة الرئيس
علي ناصر محمد،
تحية تقدير وإجلال،،،
لشخصكم الكريم، ولحكمتكم التي لا تزال منارة يستضيء بها كل من يسعى لفهم الواقع اليمني بعيداً عن ضجيج المصالح وصخب الأجندات .
لقد كان لرسالتكم الكريمة بالغ الأثر في نفسي، وهي شهادة أعتز بها من قامة وطنية كبيرة عايشت التاريخ اليمني وصنعته بيدها، وتركت بصماتها في كل محطة مفصلية مر بها الوطن .
إن كلماتكم تعكس روح القائد الذي يرى في السياسة وسيلة لصنع السلام، وفي الحكمة بوصلة للخروج من نفق الأزمات، وفي وحدة الصف ضماناً لمستقبل اليمن وأمن المنطقة .
لا شك أن ما أشرتم إليه في رسالتكم يلامس جوهر المعضلة اليمنية اليوم، فاليمن لم يعد يعاني فقط من تداعيات الحرب، بل من غياب القرار الوطني المستقل، ومن تحول الدولة إلى ساحة صراع للقوى الإقليمية والدولية .
إن ما نشهده اليوم من تعدد الرئاسات والحكومات والجيوش والمؤسسات التشريعية هو كارثة وطنية لا تخدم سوى تجار الحروب ومن يقف خلفهم، ممن يرون في إستمرار النزاع استمراراً لمصالحهم .
لقد حملتم على عاتقكم، عبر التاريخ، مشروعاً وطنياً يرتكز على الحوار والمصالحة وتوحيد الصف، واليوم تعيدون التأكيد على هذه الثوابت، وتدعون إلى مؤتمر يمني شامل، يجمع كل الأطراف تحت مظلة اليمن، وليس تحت أي مظلة أخرى .
وهذا هو الحل الحقيقي لكل ما يعانيه بلدنا الحبيب .
أما الهجمات التي تتعرضون لها، فهي ليست سوى دليل على أن صوتكم يصل، وأنكم لا تزالون تمثلون تهديداً لكل من يريد لليمن أن يبقى غارقاً في الفوضى .
لكن التاريخ لا يسجل صخب المغرضين، بل يسجل مواقف الرجال العظام الذين ظلوا ثابتين على مبادئهم رغم العواصف .
فخامة الرئيس ،،،،
أجد نفسي أمام كلماتكم أكثر إصراراً على قول الحق، وأكثر يقيناً بأن اليمن، رغم جراحه، سيعود قوياً بشعبه وقياداته الوطنية الصادقة .
وما نكتبه ليس إلا محاولة متواضعة لنقل صوت اليمنيين الذين يؤمنون بأن الحرب ليست قدراً محتوماً، وأن السلام ليس مستحيلاً .
لكم مني كل الاحترام والتقدير، ودعواتي لكم بموفور الصحة والعافية، ونسأل الله أن يعيد لليمن أمنه وإستقراره في ظل قيادة وطنية واحدة، ودولة تحفظ حقوق أبنائها، وتعيد لهم كرامتهم المسلوبة .
خواتم مرضية
وكل عام وأنتم بخير.
مصطفى بن خالد
لندن. 18 مارس 2025
0 تعليق