حين يصبح المعلم ضحية.. كيف يقتل الفساد التعليم في اليمن؟؟؟

حين يصبح المعلم ضحية.. كيف يقتل الفساد التعليم في اليمن؟؟؟

شذرات إستراتيجية

بسم الله الرحمن الرحيم 

مـــصـــطــفـــى بن خالد

 

 

 

في كل حضارة شهدها التاريخ، كان المعلم هو النواة الأولى لصناعة الفكر، والمحرّك الأهم لنهضة الشعوب، والبوصلة التي ترشد الأمم نحو التطور والتقدم . 

 

لم يكن المعلم يوماً مجرّد وظيفة، بل كان ولا يزال روح المجتمعات الحيّة، والعقل الذي يصوغ وعي الأجيال، والسياج الذي يحمي الهوية من التآكل .

 

لكن في اليمن، تحوّلت هذه المهنة النبيلة إلى ساحة معاناة ممتدة، وسقط المعلم من علياء مكانته إلى قاع التهميش والتجاهل، يواجه وحده أعباء الفقر، وقسوة الحرب، واستبداد الفساد . 

 

بات صوته مختنقاً بين زحام الأزمات، ووجوده مهدداً في ظلّ انهيار الدولة وسوء الإدارة وتلاعب الحكومات المتعاقبة بمصيره . 

 

ومع كل هذا الظلم، ظل المعلم اليمني صامداً، يقاوم رغم الجوع، يعلّم رغم الإهمال، ويشعل شمعة في وجه العتمة، بينما يُنهب مستقبله بأيدي من يُفترض أنهم حمَلة لواء المسؤولية .

 

إن مأساة المعلم اليمني ليست قضية فردية أو شأناً هامشياً، بل هي مأساة وطن بأكمله، ومعركة وجودية بين النور والظلام، بين المعرفة والجهل، بين الجمهورية والإمامة . 

 

فهل يدرك صناع القرار أن تجاهل المعلم ليس مجرد ظلم لشخصه، بل هو إعلان صريح لسقوط أمة بأكملها؟

 

المعلم اليمني.. ضحية صراع ووقود حرب

 

لم تكن مأساة المعلم اليمني وليدة لحظة، بل تراكمت على مدى سنوات من الصراع والفساد والإهمال، حتى تحول هذا الرمز التنويري إلى مجرد رقم في كشوفات منسية، يصارع البقاء في ظل حرب لم تبقِ له حتى على كرامة العيش . 

 

منذ عام 2016، وجد المعلم اليمني نفسه محاصراً بين مصيرين قاسيين : 

 

الأول حرب دمرت أمله واغتالت حقه في الحياة الكريمة، والثاني سلطات فاسدة غارقة في مستنقع الفساد، تعاملت معه كأنه فائض عن الحاجة، ولا جدوى منه، أنها تتجاهل جراحه وتبني عروشها على أنقاض متاعبه وآلامه .

 

في مناطق سيطرة الحوثيين، لم يكن إيقاف رواتب المعلمين مجرد إجراء اقتصادي، بل سياسة ممنهجة لضرب قطاع التعليم، واستبداله بمنهجية قائمة على التجهيل والفكر الطائفي، لإنتاج أجيال مسلوبة الوعي، لا تعرف سوى لغة الموت والولاء الأعمى . 

 

لقد تم تحويل المدارس إلى معسكرات تدريب عقائدي، وصار المعلم إما خاضعاً لإملاءات الجماعة، أو متهماً بالخيانة، أو مرغماً على البحث عن مصدر رزق آخر، ليبقى التعليم رهينة لأجندة طائفية تهدف إلى قطع صلة الأجيال بالحرية والمعرفة الحقيقية .

 

أما في المناطق التي يُفترض أنها تحت إدارة ما يسمى “الشرعية”، التي لا تمت للشرعية الشعبية أو القانونية أو الدستورية بأي صلة، أستمر المعلم في مواجهة نفس الجحيم، ولكن هذه المرة بوجه آخر أكثر قسوة . 

 

فالشرعية، التي لا تملك من الشرعية سوى أسمها، تركت المعلم عرضة للإهمال والتجاهل، محطمةً بذلك آخر أمل له في حياة كريمة، بينما الفاسدون يُغرقون بالأموال المدنسة، في مستنقع التبعية والعمالة والانقسام والتفريط .

 

حكومة مأرب وتعز تغرق في بحر من الفساد، تكدّس الأموال في حسابات المسؤولين، وتنفق المليارات على الجماعة (الاخوان المسلمين) وفي شراء الولاءات، وتصدر الفائض إلى اسطنبول، بينما يُترك المعلم ليصارع الجوع والموت البطيء . 

 

حكومة عدن ليست سوى نسخة باهتة من حكومة المنفى في الرياض، لا تملك قراراً ولا إرادة للتصحيح، وتتعامل مع المعلم كمجرد تفصيل هامشي في مشهد العبث الإداري والمناطقية وسرقة إيرادات الدولة والأراضي والمال العام .

 

 حكومة الرياض، التي يفترض أنها تقود “التحالف لإعادة الشرعية”، لم تفعل شيئاً سوى ضخ الأموال في جيوب هولاء الفاسدين والمنحلين، التي صنعتهم، وترك المؤسسات تنهار واحدة تلو الأخرى، وكأنها تسهم عمداً في صناعة هذا الفشل .

 

حكومة الأمر الواقع في صنعاء، هي نموذج حيّ للدولة الطفيلية، حيث لا ترى في التعليم سوى وسيلة لتكريس حكمها القائم على الجهل، وترفض الاعتراف بحقوق المعلمين إلا في حال تحويلهم إلى أرجوزات، وخضوعهم الكامل لأجندتها .

 

اليوم، بينما تتصارع الحكومات الفاسدة على نهب المال العام، وتسارع في بناء القصور والفيلات وتسكن الفنادق الفاخرة وتتنقل بين عواصم العالم، على حساب الشعب المكلوم، يبقى المعلم بلا ملاذ، لا يملك سوى أمل ضائع في غدٍ أفضل .

 

 حيث يظل يواجه مصيراً مظلماً، وهو يقف على حافة الانهيار، ضحية لجشع الفاسدين وإهمال المسؤولين .

 

"المعلم اليمني: 

شعلة صمود في وجه الفساد والتجهيل”

 

رغم الجراح النازفة والتهميش الممنهج، يظل المعلم اليمني واقفاً كالنخيل، متشبثاً برسالته النبيلة، يحمل شعلة العلم في ظلام الفساد والجهل .

 

ورغم الإحباط الذي يحيط به كطوقٍ من ظلام، يظل قلبه نابضاً بالإيمان، وروحه متقدة بالعزيمة، لأن رسالته ليست مجرد مهنة، بل معركة وعي، ورسالة خلود، وشعلة نورٍ لا تنطفئ، مهما عصفت بها رياح التهميش والخذلان!

 

 تحدّى الجوع، صارع الحرمان، ولم ينحنِ إلا ليزرع في عقول الأجيال بذور المعرفة والأمل .

 

الحقيقة :

إن تجاهل قضية المعلم ليس مجرد إهمال لفئة وظيفية، بل هو إعلان صريح لحالة السقوط الشامل للدولة، وضوء أخضر لانهيار المجتمع بالكامل . 

 

فالدول لا تُبنى بالجيوش وحدها، بل بالعلم والفكر والمعرفة، وإذا كان المعلم اليمني يُسحق بهذا الشكل، فما الذي يمكن أن نتوقعه من مستقبل هذا البلد؟

 

ما يحدث اليوم هو جريمة متكاملة الأركان، لن يكون ضحيتها المعلم وحده، بل أجيال بأكملها ستدفع الثمن، وسيكون الثمن فادحاً، حين تتحول المدارس إلى أطلال، ويصبح الجهل هو القاعدة، وتندثر أي فرصة لإنقاذ اليمن من مستنقع الفوضى .

 

الخلاصة :

 

إن إنقاذ المعلم اليمني ليس مجرد قضية مطلبية، بل معركة وطنية لإنقاذ التعليم والبلد من السقوط في هوة الجهل والتخلف . 

 

لا يمكن الحديث عن استعادة الدولة، ممن يهدمون أركانها، ويتركون المعلم يموت جوعاً، ولا يمكن الركون إلى شرعية فاسدة تدير الازمة من داخل غرف مغلقة، خارج الوطن، بينما معلمو اليمن في الداخل يعانون الأمرّين .

 

مع الأسف لقد أصبح المعلم اليمني كائناً مسحوقاً تحت وطأة الحاجة، يتقاضى فتاتاً، بينما المسؤولين يتنعمون برواتب ضخمة بالعملات الأجنبية، ومزايا خرافية، وسفريات وامتيازات لا تنتهي.

 

أما الترقيات والمستحقات المالية، فقد تحولت إلى سلعة في سوق المساومات والرشاوى، تُمنح بالدرجة الأولى للأقارب، وأصحاب الولاءات، ثم لمن يدفع أكثر، أو لمن يملك الوساطات الكافية . 

 

في المقابل، المعلم الشريف، الذي أفنى عمره في خدمة التعليم، يجد نفسه مضطراً للبحث عن عمل إضافي، أو ترك مهنته بالكامل بحثاً عن حياة كريمة، بعدما تخلّت عنه حكومته، وأمعنت في هزيمته وإذلاله، وهي في الحقيقة تهزم وتذل بلد عريق ذو حضارة ضاربة في عمق التأريخ . 

 

“ لا شك بأن الوطن سيدفع ثمنه لعقودٍ قادمة، حيث ستتوارث الأجيال تداعيات هذا الإهمال، وسيبقى الجرح مفتوحاً في جسد الأمة، ما لم يُصحَّح المسار قبل فوات الأوان .”

 

لذى علينا أن نعمل بجد، ونستخدم كل وسيلة ممكنة لإيقاف هذه الجريمة بحق المعلم اليمني، كي نعيد له اعتباره ومكانته المستحقة، قبل أن يستيقظ اليمن المجيد على واقعٍ مرير : 

 

بلا هوية، بلا وعي، بلا مستقبل

كلمات المفتاحية:

0 تعليق

أضف تعليقك

إلى الأعلى