شذرات إستراتيجية
بسم الله الرحمن الرحيم
مـــصـــطــفـــى بن خالد
في قلب الشرق الأوسط، وعلى مرأى ومسمع من العالم بأسره، تتعرض غزة لمحرقة دموية مستمرة، حيث تنهال القنابل فوق رؤوس الأطفال والنساء وكبار السن، تاركة وراءها مدناً مدمرة، وأحلاماً ممزقة، وأرواحاً تُزهق بلا رحمة .
مجازر تتكرر أمام أعين مجتمع دولي أعزل الإرادة، فاقد الضمير، بينما يواصل الاحتلال انتهاكاته دون قيد أو رادع، في تحدٍّ صارخ لكل القوانين الدولية والشرائع الإنسانية .
إنها ليست حرباً بين جيشين، بل جريمة إبادة بحق شعبٍ أعزل، تُنفذها آلة القتل المدعومة من القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، الذين يمنحون الاحتلال الضوء الأخضر ليواصل بطشه، بينما يتشدقون بشعارات حقوق الإنسان في المحافل الدولية .
مشهدٌ يُسقط آخر الأقنعة، ويكشف زيف منظومة العدالة العالمية التي أثبتت أنها ليست سوى أداة لفرض الهيمنة، تُستخدم عند الحاجة، وتُطمس حين يكون الجلاد صديقاً والمجرم حليفاً .
مجازر غزة.. وحشية بلا حدود وصمتٌ بلا خجل
المشاهد القادمة من غزة تخترق الضمير الإنساني، لكنها لا تجد صدى في عالم إعتاد على رؤية المآسي دون أن يحرك ساكناً :
٠ أطفال يُنتشلون من تحت الأنقاض، بعدما مزقتهم صواريخ الاحتلال قبل أن تتحقق أحلامهم الصغيرة، فصاروا شهداء قبل أن يكونوا طلاباً أو أطباء أو مبدعين .
• نساء يُقتلن في بيوتهن، لأن الموت في غزة لم يعد بحاجة إلى سبب، فالمنزل لم يعد ملاذًا آمناً، بل فخٌ قاتل تحت القصف .
• كبار السن يُتركون ليواجهوا الحياة وحدهم، بعدما فقدوا أبناءهم وأحفادهم، فلا يبقى لهم إلا ركام الذكريات، ووجع الفقد الذي لا دواء له .
هذه ليست مجرد أرقام باردة في تقارير إخبارية، بل قصص إنسانية تُكتب بالدم، وتُروى بأصوات من رحلوا قبل أن يُكملوا حكاياتهم .
إنها مأساة لا تُضاف إلى التاريخ، بل تتكرر معه كل يوم، في سجلٍ أسود من الجرائم التي لم تتوقف منذ عقود، لأن العالم إختار أن يرى، لكنه أغمض عينيه عن الحقيقة .
ازدواجية المعايير … الغرب يكشف وجهه القبيح
في الوقت الذي يتشدق فيه الغرب بشعارات الحرية، العدالة، وحقوق الإنسان، يُسقط قناعه تماماً أمام مجزرة غزة، كاشفاً عن وجهه الحقيقي المُلطخ بالنفاق والتواطؤ .
لم يكتفِ بالصمت، بل تحول إلى شريكٍ في الجريمة، بالدعم العسكري والسياسي، والغطاء الدبلوماسي الذي يسمح للاحتلال بمواصلة الإبادة دون رادع .
• أمريكا، التي تتغنى بالديمقراطية، تمنح الاحتلال الضوء الأخضر ليمعن في القتل والتدمير، وترسل الأسلحة قبل أن تجف دماء الضحايا .
•أوروبا، التي تدّعي حماية الحريات، تقف بوجه كل من يتضامن مع فلسطين، بل وتُجرّم حتى من يرفع علمها .
• الإعلام الغربي، الذي يزعم الحياد، يلتزم الصمت أمام آلاف القتلى والمشردين، لكنه ينطق حين يكون للضحية لونٌ آخر أو جنسية مختلفة .
هذه ليست مواقف عابرة، بل حقيقة صادمة تؤكد أن حقوق الإنسان في القاموس الغربي ليست سوى سلاح سياسي، يُرفع حيث تخدم المصالح، ويُسقط حين يكون القاتل حليفاً والضحية عربياً .
القانون الدولي.. حبرٌ على ورق أمام آلة القتل
وُضعت القوانين الدولية لتكون درعاً يحمي الأبرياء، لكنها أمام الاحتلال تحولت إلى مجرد كلمات بلا قيمة، تُداس تحت أقدام الجريمة .
رغم أن العالم صاغ مواثيق تحرّم استهداف المدنيين، وتفرض حماية الأطفال والنساء أثناء النزاعات المسلحة، إلا أن الاحتلال يتحدى هذه القوانين جهاراً، مدركاً أن المجتمع الدولي سيظل عاجزاً متواطئاً .
والأدهى من ذلك، أن القوى الكبرى، التي تزعم الدفاع عن العدالة، باتت شريكاً رئيسياً في الجريمة، من خلال :
• توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي لشرعنة العدوان، وإجهاض أي تحركات لإدانته .
• تزويد الاحتلال بأحدث الأسلحة الفتاكة التي تُمطر غزة بالموت والدمار دون توقف .
• عرقلة أي محاولة لمحاسبة قادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية، وإجهاض أي مساعٍ لتحقيق العدالة .
هكذا، يُثبت الواقع أن القانون الدولي لم يُخلق ليحمي الجميع، بل ليُستخدم كسلاح ضد الضعفاء، بينما يُمنح القتلة حصانة مطلقة، مهما بلغت جرائمهم همجيةً ووحشية .
الخلاصة …
غزة باقية والعار لمن خذلها
مهما أشتد العدوان، ومهما تكالب المتآمرون، ستظل غزة عصيّة على الانكسار، وستبقى القضية الفلسطينية شعلةً لا تنطفئ في قلوب الأحرار .
قد تنزف غزة، وقد يُحاصرها الظلم، لكن إرادتها أقوى من حصارهم، وصمودها أعتى من قنابلهم .
أما العالم، الذي وقف متفرجاً على المجازر، وصمّ آذانه عن صرخات الضحايا، فسيحمل إلى الأبد وصمة العار في جبين الإنسانية .
سيكتب التاريخ أن غزة أحترقت، والأمم شاهدت، لكنها أختارت الصمت والخذلان .
وأما أولئك الذين يرفعون شعارات العدالة وحقوق الإنسان، فقد آن لهم أن يخلعوا أقنعتهم، ويعترفوا بأنهم يكيلون بمكيالين، وأن قيمهم مجرد أدوات للابتزاز السياسي، لا مبادئ حقيقية تُطبق على الجميع .
لكن غزة لا تنتظر إنصافهم، ولا تأبه لخذلانهم، لأنها أقوى منهم جميعاً، وأبقى من زيفهم، وستنهض دوماً من تحت الركام، كما تفعل كل مرة .
0 تعليق