شذرات إستراتيجية
بسم الله الرحمن الرحيم
مـــصـــطــفـــى بن خالد
في مشهد يعكس التدهور غير المسبوق للمؤسسات التشريعية في اليمن، فاجأ الصحفي فتحي بن لزرق الجميع بطلب رسمي إلى رئيس مجلس النواب، سلطان البركاني، يطالب فيه بفتح باب الانضمام إلى مجموعة الواتساب الخاصة بالمجلس، ليتمكن الشعب من متابعة النقاشات الدائرة بين النواب، بعد أن باتت هذه المجموعة المنصة الوحيدة التي يُدار من خلالها ما تبقى من “الديمقراطية البرلمانية” في البلاد !
الطلب، رغم ما يبدو عليه من طرافة، ليس نكتة سياسية ولا دعابة ساخرة، بل انعكاسٌ مرعب لحقيقة مخزية :
مجلس النواب، الذي يُفترض أن يكون حصن الرقابة والتشريع، لم يعد أكثر من “جروب واتساب”، تُدار فيه القضايا المصيرية للبلاد برسائل نصية وصور متحركة من بلدان مختلفة !
أي مصير هذا الذي وصلت إليه البلاد، حين تتحول أرفع سلطة تشريعية إلى مجرد دردشة رقمية، وحين تصبح السياسة في أيدي “المشرفين” و”خيارات الحذف والإضافة” ؟!
برلمان في غرفة دردشة… حين تُدار الدولة بـ”الحذف والإضافة” !
في بلد تتلاشى فيه المؤسسات، لم يجد مجلس النواب اليمني مشكلة في تعطيل جلساته الدستورية، لكنه لم يتوقف لحظة عن إدارة “جلساته الافتراضية” عبر واتساب! هناك، تُناقش القضايا المصيرية بأسلوب أقرب إلى دردشات عابرة بين مجموعة أصدقاء، حيث تُدار الدولة برموز تعبيرية ورسائل مقتضبة، بينما يصبح حذف نائب كإزالة جهة اتصال غير مرغوب فيها !
في هذه المساحة الرقمية، لم يعد للشفافية مكان، ولم يعد للنقاشات أي قيمة، بل أصبحت السلطة التشريعية نفسها مجرد “مجموعة خاصة” يُضاف إليها من يُراد سماعه، ويُحذف منها من يجرؤ على طرح الأسئلة الصعبة !!! فهل هذا هو الشكل الجديد للحكم؟ وهل باتت الديمقراطية تُختزل في أزرار الحذف والإضافة ؟!
برلمان الواتساب… الشعب يريد “رابط الانضمام” !
اليوم، يرفع الصحفي فتحي بن لزرق صوته مطالباً بفتح المجال أمام الشعب للاطلاع على “جلسات البرلمان الافتراضي”، فهل يُعقل أن تكون غرفة دردشة على واتساب هي القناة الوحيدة المتاحة للوصول إلى ما يُفترض أنه مؤسسة تشريعية ؟!
هل وصل الحال بالنواب إلى الاعتراف ضمنياً بأن “جروب واتساب” بات المنصة التشريعية الوحيدة المتبقية ؟ وهل أصبح حق الشعب في المعرفة رهيناً بخيارات المشرفين في الإضافة والحذف ؟!
إذا كان مجلس النواب قد تحول إلى دردشة مغلقة، فربما يحتاج اليمنيون إلى “رابط دعوة” لمتابعة ما يجري باسمهم، أو على الأقل، ميزة “الإبلاغ عن إساءة إستخدام السلطة” !
شفافية أم مهزلة؟ برلمان بنقرة “حذف” !
من حيث المبدأ، فتح مجموعة البرلمان أمام الشعب يبدو مطلباً مشروعاً، فالنواب يُفترض أنهم ممثلون للشعب، وليسوا نادٍ مغلق للنخبة. ولكن السؤال الأهم :
هل هناك أصلًا ما يستحق المشاهدة ؟
هل تحولت هذه المجموعة إلى منصة جادة لصياغة مستقبل اليمن، أم أنها مجرد ساحة للاستعراضات السياسية، وتبادل الاتهامات، وإدارة الدولة بقرارات “حذف وإضافة” ؟!
إذا كان البرلمان قد انكمش ليصبح مجرد “جروب خاص”، فهل الشفافية هنا تعني السماح للشعب بالدخول، أم مجرد مشاهدته لعرض عبثي جديد ؟!
إلى متى ننتظر ؟!
إذا كان هذا هو واقع البرلمان اليمني اليوم، فإن القضية ليست مجرد فتح “جروب واتساب” أمام الشعب، بل إعادة الاعتبار للمؤسسات التشريعية الحقيقية .
ما نحتاجه ليس شفافية شكلية، بل نهاية لهذا العبث الذي حوّل السلطة التشريعية إلى غرفة دردشة يديرها مشرفون، بينما الشعب يُترك خارجها، ينتظر بارقة أمل وسط هذه الفوضى !
اليمنيون لا يريدون رابطاً للانضمام إلى “البرلمان الرقمي”، بل يريدون برلماناً حقيقياً، مستقلاً، يمثلهم بكرامة، ويُمارس دوره في التشريع والرقابة، لا أن يُدار بقرارات الحذف والإضافة !
مجلس نواب الشعب :
فرار من المسؤولية !
مجلس نواب الشعب الذي كان من المفترض أن يكون صوت المواطنين وحامي مصالحهم، تخلى عن ناخبيه، وفضل الفرار إلى المنافي والفنادق الفاخرة والقصور البعيدة عن واقع الشعب الذي يتضور جوعاً وفاقة وخراب .
استمروا في تجديد فترة صلاحيتهم دون إجراء انتخابات حقيقية، وكأنهم يعيشون في عالم موازٍ لا علاقة له بمعاناة الناس .
أين الرقابة والمساءلة ؟ أين التمثيل الشعبي الحقيقي ؟ هذا ليس مجرد تخلي عن المسؤولية، بل إعلان صريح عن غياب الضمير الوطني والابتعاد عن هموم الناس ومعاناة منتخبيهم، في وقتٍ يحتاج فيه الوطن إلى مواقف حاسمة لا مجرد تجديد لنظام فاسد !
السؤال الأخير:
هل سيفتح البرلمان “جروب الواتساب” أم سيختار النواب “ الخروج نهائياً ” من مشهد المسؤولية ؟
0 تعليق