السلام الداخلي وانسجام الروح

السلام الداخلي وانسجام الروح

 

كتب| يحيى الضبيبي

 

في خضم الزمن المتسارع، حيث تتيه الأرواح في زحام الماديات، يبرز رمضان كفسحةٍ نورانيةٍ تفتح آفاق الذات المغلقة، لتستعيد انسجامها مع النسقِ السريِّ الذي يشكِّل جوهرها العميق.

 

رحلةٌ نحو الاتزانِ الدقيق، الذي يتجلَّى حين تصمت الأهواء، وتفسح الفطرةُ طريقها لنور الحكمة.

 

يحمل كل إنسانٍ داخله نسقًا سريًّا، نظامًا خفيًّا يعمل بصمتٍ، يوجِّهه نحو السلام، نحو التصالح مع الذات والوجود. لكن هذا النسق يتعرَّض للضوضاء، وللتشويش الناجم عن النزعات والرغبات الجامحة، التي تتغذَّى على ضجيج الحياة.

 

وهنا يأتي رمضان ليعيد ترتيب هذا النسق، ليهدِّئ اضطرابه، فيسكن القلب في مقام الطمأنينة. والصيام استجابةٌ لذلك التوق العميق إلى الصفاء، إلى التحرر من ثقل الاعتياد، إلى استعادة القدرة على السكون والتأمل.

 

حين يجوع الجسد، تتغذَّى الروح، وحين يسكن الصخب الخارجي، يتحدَّث الداخل بلغةٍ أصفى، خاليةٍ من الشوائب والتشويش. فالصيام، في جوهره، هو فنُّ الامتناعِ بلوغًا للامتلاء، وهو استعادةٌ للإنسان في صورته الأكثر أصالة، حيث لا يخضع للرغبات، بل يسمو عليها.

 

الحكمة الشرعية من الصيام، إلى جانب كونه تهذيبًا للسلوك واختبارًا للصبر، هي إعادةُ ضبطٍ للمسار الروحي، وتذكيرٌ بأن الإنسان ليس مجرد كائنٍ يستهلك، بل هو جوهرٌ يسعى إلى الاكتمال.

 

في امتناعه عن الطعام، يكتشف الإنسانُ معنى الكفاية، وفي انضباطه أمام الشهوات، يتعلَّم لغة الإرادة، وفي انتظار غروب الشمس، يدرك أن لكل شيءٍ توقيته، وأن الحياة ليست سباقًا لاهثًا، بل إيقاعٌ موزونٌ يحتاج إلى صبرٍ وتأنٍّ.

 

في كل لحظةٍ من الصيام، درسٌ وجوديٌّ يعيد للإنسان وعيه بجوهره، ويذكِّره بأنه ليس خاضعًا لما يشتهيه، بل لما يُشكِّل كماله الإنساني. كما أن شهر رمضان هو حالة تحوُّلٍ وتجربةٌ يعبر فيها الإنسان من التشتت إلى الوحدة، ومن التلهف إلى الاكتفاء، ومن الفوضى إلى السلام.

 

أعظم تجلياتِ السلام الداخلي هي تلك اللحظات التي يشعر فيها الإنسان بأنه خفيفٌ، محرَّرٌ من قيوده، متصالحٌ مع ذاته ومع العالم. ورمضان هو الفرصة التي يهمس فيها الزمن للإنسان: تخلَّص مما يثقل روحك، واستمع إلى الصمت الذي بداخلك، ففيه تكمن الحقيقة، وفيه تسكن الطمأنينة.

 

كلمات المفتاحية:

0 تعليق

أضف تعليقك

إلى الأعلى