كتب| يحيى الضبيبي
في زحام المدن المترقبة لنداء المغرب، هناك من يسابق الريح، لا الزمن، ويختبر حدود الطريق كأنها ميدان معركة، لا ساحة عودة.
في زوايا المدن، أمهاتٌ يُهيّئن موائد الإفطار، يطمئنن إلى كل شيء إلا إلى تأخّر أبنائهن، الغائبين في سباق لا رابح فيه. لايعلمن أن الأصوات التي اعتدن أن تسبق الخُطا ستعود إليهن محمولةً على الألسنة، لا الأقدام، وأن الموائد التي انتظرتهم ستُمدّ بلون آخر، ليس لون التمر والماء، بل لون الفقد والحسرة.
هذا هو حال كثير من الأمهات في المدن خلال رمضان، خصوصًا في فترة العصر وقبل الإفطار، حين تتحوّل الطرقات إلى مساحات طائشة، ومضمار تهوّر، تكتب عليها عجلات السيارات قصصًا موجعة، لا يقرؤها المتهورون إلا بعد فوات الأوان.
هنا يصير التهور خيانةً مزدوجة: خيانةٌ لجسدٍ انكسر على الأسفلت، وخيانةٌ لروح الشهر، التي وُلدت لتُصلح ما انكسر في القلوب قبل الطرقات.
فالتهور في قيادة السيارات هو أكثر من مجرد عجلة في الحركة، لأنه سلوك يشبه الطيش الوجودي، حيث يُراهن الإنسان بحياته وحياة الآخرين على لحظة اندفاع خاطفة.
فالسرعةُ دفقٌ من التهور، يُشير إلى انفصامٍ بين الإدراك والفعل، بين الوعي والمغامرة العمياء.
وفي زحام الطرقات، لا يختبئ الإنسان خلف زجاج السيارة فحسب، بل يختبئ خلف فراغٍ يعيشه وخواءٍ يتسلل إلى ثنايا روحه. والسرعة الجنونية ليست سوى محاولةٍ لملء هذا الفراغ بصوت المحرّك، وكأن الإيقاع الصاخب لعجلات السيارة يُغني عن الإجابة التي يبحث عنها في خوائه.
هنا يتحوّل التهور إلى طقسٍ عبثي، يشبه "رقصة الموت" التي تحدّث عنها كامو؛ فالسائق المتهوّر لا يختلف عن سيزيف الذي يحمل صخرة العبث إلى قمة الجبل، لكن بدل الصخرة، يحمل رغبةً في الفوز بسباقٍ وهمي ضد الزمن.
يصف البعض السيارة بأنها "الجسد الثاني" للإنسان الحديث، لكنها قد تصبح لدى المتهور تعويذةً لتهدئة قلقٍ وجودي. وهذا الصنف من الناس، في رمضان، كلما زاد إحساسهم بهشاشتهم أمام الجوع، زاد تشبثهم بصلابة السيارة، كأنهم يبحثون عن قوّةٍ بديلة في عجلة القيادة.
لكن المفارقة أن هذه "القوة" تتحوّل إلى نقيضها؛ فكلما زادت سرعة السيارة، ازدادت هشاشة السائق، حتى تصير حياته – وحياة الآخرين – رهينةَ زرٍّ صغير يُدعى "دواسة البنزين".
للأسف، في شهرٍ يُفترض أن يكون ميدانًا للسكينة، يتحوّل الطريق إلى حلبة سباقٍ محمومة، وكأن الصيام لم يُؤتِ ثماره في تهذيب النفس وكبح النزق.
يندفع البعض بجنون، كأن المسافة بينه وبين الإفطار ليست إلا محنةً يجب أن تُخترق بسرعة البرق، وكأن الطرقات ليست إلا معابر آنية تُستباح في لحظة غفلةٍ من القدر.
في رمضان، تُستثار هذه النزعة بشكل أشد – خصوصًا كما أشرت سابقًا في فترة العصر واقتراب موعد الفطور – كأن الجوع والعطش يستحيلان طاقةَ غضبٍ دفين، تبحث عن مخرجٍ في ضغط دواسة الوقود بعنف، أو في تجاوزٍ متهوّر، أو في صفارة إنذارٍ تصدح في الفراغ، لتؤكد أن ثمة عقلًا قد تخلّى عن دوره في التوجيه.
وحين تنقلب السيارة، أو يصرخ جسدٌ على الرصيف، يقال: "كان القدر"، بينما الحقيقة أن يد الإنسان هي التي أطلقت العنان لفوضى الطريق.
والقيادة المتهورة قد تأتي نتيجة لعدة عوامل، منها الرغبة في إثبات الذات، أو التعبير عن التمرد، أو حتى الهروب من ضغوط الحياة اليومية. لكنها في النهاية تُظهر عدم تقدير لقيمة الحياة البشرية، سواء كانت حياة السائق أو حياة الآخرين الذين يتشاركون الطريق معه.
ولا يقتصر التهور على السرعة وحدها، بل يمتد إلى التباهي والاستعراض والتفحيط، وكأن الطريق خشبة مسرح يبحث فيها المتهور عن تصفيقٍ زائف، لا عن سلامته وسلامة الآخرين.
وهذا السلوك في حقيقته انعكاس لحاجة داخلية لإثبات الذات في لحظة خاطفة، ومحاولة لتعويض شعور بالنقص أو البحث عن انتصار مؤقت وسط فوضى الحياة، لكن الثمن غالبًا ما يكون فادحًا.
وأعظم امتحانات الإنسان ليست في صومه عن الطعام والشراب فحسب، بل في ضبط نزعاته وترويض انفعالاته. فكيف لمن صام أن يُفطر على دمعةِ أمٍّ ثكلى، أو أن يجعل من إفطاره موعدًا للحسرة على حياةٍ أُزهقت بطيش لحظة؟
لو كان الصوم حقًّا رحلةً نحو الذات، لكان الأولى بالإنسان أن يسير ببطءٍ، كي يرى وجهه في مرآة الطريق، لا أن يتحوّل إلى شبحٍ يطارد السرعة.
لكن يبدو أننا نفضّل أن نهاجر من أعماقنا إلى أطرافنا، فنجعل من السيارة سفينةً نهرب بها من مواجهة النفس، إلى عالمِ الأرقام القاسية لزيادة عدد الضحايا.
ومن المؤكّد أن الطرقات مسرحٌ لحكمة الإنسان أو لحماقته، والفارق بينهما لا يزيد عن قرارٍ واحد.
ربما يحتاج رمضان إلى "إشارة مرور" روحيةٍ تُوقف هذا الاندفاع نحو العبث، وتذكّرنا بأن أعظم سرعةٍ هي سرعة العودة إلى الذات، وأن الطريق الحقيقي لا يُقاس بالمسافات، بل بالوعي الذي نعبُره.
0 تعليق