شذرات إستراتيجية
بسم الله الرحمن الرحيم
مـــصـــطــفـــى بن خالد
حين يُذكرُ اسمُ الأم، تهدأُ الأرواح، وتلينُ القلوب، وكأنها تستظلُّ بظلٍّ وارفٍ من الحنانِ الذي لا يزول .
فالأم ليست مجرد شخصٍ في حياتنا، بل هي أصلُ الحياةِ وجوهرُها، وهي الشمسُ التي تشرقُ في أرواحنا، فتمنحها الدفءَ والنورَ، حتى في أحلكِ اللحظات .
كيف يمكنُ للكلماتِ أن تختصرَ حكايةً بحجمِ الكون ؟ وكيف لحروفٍ أن تفي امرأةً جعلت من نبضِها جناحينِ نحلقُ بهما نحو الحياة ؟
إن الحديثَ عن الأمِّ ليس وصفاً، بل رحلةٌ في أعماقِ الحبِّ الخالص، وسردٌ لملاحمِ العطاءِ والتضحيةِ التي لا تُكتبُ بالحبرِ، بل تُسطَّرُ بدموعِ الفرحِ والتعبِ، وبسنواتٍ من البذلِ دون انتظارِ المقابل .
فهي التي حملَتْنا قبل أن نولد، واحتوتْنا قبل أن نعي، وأحبَّتنا دون قيدٍ أو شرط، فكانت لنا الوطنَ حين ضاقت بنا الأوطان، وكانت الحصنَ حين تآمرت علينا الحياة .
هي النبضُ الذي لا يهدأ، والدعاءُ الذي لا يُرد، والحبُّ الذي لا يموت .
الأم.. سرُّ الوجود ومهدُ الحياة
منذ اللحظةِ الأولى التي يلامسُ فيها الإنسانُ نورَ الحياة، تكون الأم هي بوابته الأولى إلى هذا العالم، الحضنُ الأول الذي يحتضنه قبل أن يعرفَ معنى الأمان، والصوتُ الأول الذي يهمسُ إليه بالحبِّ قبل أن يفهمَ لغةَ الكلام .
تحمله في أعماقِها قبل أن يراهُ الوجود، تمنحهُ من نبضِها حياةً، ومن روحِها نوراً، ومن قلبِها حبّاً لا يشوبه نقصان .
هي أولُ وطنٍ يعرفه، وأولُ يدٍ تمتدُّ إليه، وأولُ قلبٍ يخفقُ له دون مقابل .
ينامُ بين أضلاعِها مطمئناً، لا يخشى
بردَ الليالي ولا قسوةَ الأيام، فدفؤها باقٍ ، وحبها لا يُقاس، ووجودها هو الأمانُ الذي لا يتبدّدُ أبداً .
الأم ليست مجرد بدايةٍ في حياةِ الإنسان، بل هي الحياةُ نفسها، هي النبعُ الذي لا ينضب، والملاذُ الذي لا يخون، والوطنُ الذي لا يُستبدل .
عطاءٌ لا ينضب.. وتضحية بلا حدود
الأم ليست مجردَ مدرسةٍ تُلقِّن الدروس، بل هي المعلمُ الأولُ للحياةِ ذاتها، تُعلِّم أبناءَها أسمى القيم دون أن تنطقَ بها، تسقيهم الإيثارَ من روحِها، وتغرسُ فيهم الصبرَ بملامحها المرهَقة، وتخطُّ دروسَ الوفاءِ والتضحيةِ في كل تفصيلةٍ من تفاصيلِ يومها .
كم من ليلةٍ نامت جائعةً لتُشبعَ أبناءَها ؟ وكم من مرةٍ كتمتْ وجعَها خلف ابتسامةٍ مشرقةٍ كي لا يُدركوا ألمَها ؟ كم من مرةٍ خذلتها الحياةُ فنهضتْ من جديد، لا لأجلها، بل لأجلهم ؟
هي التي تهبُ بلا انتظار، وتعطي بلا حساب، وتمنح بلا قيدٍ أو شرط .
كل لحظةٍ في عمرِها قصةُ حبٍّ منقوشةٌ بعرقِ الجبينِ وسهرِ الليالي، وكل خطوةٍ تخطوها هي دربٌ ممهدٌ بالحنانِ لمن تحب .
الأمُّ هي اليدُ التي تمتدُّ قبل أن نطلب، والقلبُ الذي يحتوينا دون مقابل، والعينُ التي تسهرُ حين تغفو الدنيا من حولنا .
عطاءُها ليس مجردَ فعلٍ، بل هو جوهرُ وجودِها، وسرُّ خلودِها في قلوبِ أبنائها .
عيد الأم.. احتفالٌ عابر أم رسالةٌ خالدة ؟
يأتي عيدُ الأم ليكونَ وقفةً مع أعظمِ حقيقةٍ في حياتِنا :
أن الأم ليست يوماً يُحتفَلُ به، بل هي الزمنُ كلُّه، هي نبضُ الأيامِ وسرُّ الدهرِ، وهي العطاءُ الممتدُّ بلا بدايةٍ ولا نهاية .
ليس هذا اليوم مجرد مناسبةٍ عابرةٍ تُهدى فيها الورودُ والهدايا، بل هو دعوةٌ عميقةٌ لإعادةِ النظرِ في علاقتِنا بها، في مدى تقديرِنا لوجودِها، في حجمِ ما نقدِّمه لها مقارنةً بما منحَتْنا إياه دون قيدٍ أو شرط .
إنه ليس احتفالاً بقدرِ ما هو رسالةٌ تستنهضُ ضمائرَنا :
هل كفيناها حقَّها ؟ هل كنَّا العونَ الذي تستحقُّه ؟ هل منحناها من الحبِّ ما يكفي لتعويضِ لحظةِ ألمٍ واحدةٍ عاشتها لأجلِنا ؟
الحقيقةُ أنَّ أعظمَ تكريمٍ للأم لا يكونُ في يومٍ واحدٍ، بل في كلِّ يومٍ تُشرقُ فيه الشمسُ على قلوبِنا، في كلِّ لحظةٍ نجعلُها تشعرُ بأنَّها أغلى ما في حياتِنا، لأنها كذلك فعلاً، في السرِّ والعلن، في الغيابِ والحضور، في كلِّ نبضٍ من نبضاتِ العمر .
ليس هديةً… بل امتنانٌ وتقديرٌ لا ينتهي .
ليست الهدايا في عيدِ الأم سوى رموزٍ عابرة، جميلةٌ في معناها، لكنها لا تُغني عن الحقيقةِ الأعظم :
أن ما تحتاجه الأم حقاً ليس صندوقاً مغلفاً بعناية، بل قلباً يحتضنُها بحب، وكلماتٍ تُشعرُها أنها ما زالت محورَ الحياة كما كانت دوماً .
التقديرُ الحقيقيُّ ليس في قيمةِ الهدية، بل في دفءِ الاهتمام، في السؤالِ الذي يأتي دون مناسبة، في الوقتِ الذي يُمنَح لها بصدق، في الحضورِ الذي يُشعرُها بأنها الأولى دائماً، تماماً كما كنا نحنُ الأولَ في حياتِها منذ اللحظةِ التي فتحت أعينَها علينا .
أن تُكرمَ أمَّك يعني أن تمنحَها يقيناً بأن وجودَها ليس عادةً اعتدتها، بل نعمةً تدركُ قيمتَها في كلِّ يوم .
أن تجعلها تشعرُ بأنَّ حبَّها لم يكن عبئاً، وعطاؤها لم يكن واجباً، وتضحياتِها لم تكن مجرد مرحلةٍ وانتهت .
فالأمُّ لا تنتظرُ الهدايا، لكنها تحيا بالكلمةِ الطيبة، بالاحتواءِ الصادق، وبشعورِها أنها ما زالت القلبَ الذي ينبضُ في حياتِك، كما كنتَ أنتَ النبضَ الأولَ في حياتِها .
إلى أمي… رسالةُ القلبِ ونبضُ الروح
أمِّي، يا أولَ الحكاياتِ وأجملَها، يا من سكنتِ روحي قبل أن أسكنَ الحياة، يا من كنتِ النورَ الذي أضاء دربي قبل أن أعرفَ كيف أسير، والدعاءَ الذي كان يسندني في غيابي قبل أن أدركَ معنى السند .
كيف أشكركِ وكلماتُ الدنيا تعجزُ عن ردِّ الجميل ؟ كيف أعبِّرُ عن امتناني وأنتِ من منحتِني كلَّ شيءٍ دون أن تنتظري المقابل ؟ كنتِ دائماً الحضنَ الذي لا يُستبدل، والأمانَ الذي لا يتزعزع، واليدَ التي امتدَّت قبل أن أحتاجها، والقلبَ الذي خفقَ لي قبل أن أعيَ معنى الحبّ .
في يومِكِ هذا، لا أملكُ إلا أن أقول :
أحبكِ بحجمِ السماءِ التي تشهدُ دعواتِكِ لي، بحجمِ الأرضِ التي خطوتِ عليها لأجلي، بحجمِ العمرِ الذي منحتِني إياه دون أن تطلبي شيئاً في المقابل .
أدعو الله أن يُطيلَ في عمركِ، وأن يملأَ أيامَكِ سعادةً تُشبهُ ما زرعتِهِ في قلوبِنا من حُبّ، وأن يظلَّ رضاكِ نوراً يضيءُ دروبي ما حييت .
رسالةُ حبٍّ لكلِّ أم …
إلى كلِّ أمٍّ في هذا العالم، أنتِ النبضُ الذي يمنحُ للحياةِ معناها، والنورُ الذي يضيءُ حتى في أشدِّ العتمات .
أنتِ النعمةُ التي لا تُعوَّض، والكنزُ الذي لا يُثمَّن، والسندُ الذي لا يميلُ ولا يتبدَّل .
كوني بخير، لأن بخيرِكِ تزهرُ الأيام، وتبتسمُ الحياة، وتمتلئُ القلوبُ دفئاً وأماناً .
كوني سعيدةً، لأن سعادتَكِ هي أجملُ هديةٍ يمكنُ أن يُقدِّمها لكِ أبناؤكِ، وهي عربونُ الوفاءِ لكلِّ ما وهبتِهِ لهم دون مقابل .
أنتِ الحياةُ… ومن غيرِكِ لا شيء يبقى كما كان .
0 تعليق