اليمن بين المنافي والجراح :  عيدٌ آخر من الصبر والدموع بين الوطن والشتات :  عيدٌ آخر يمرّ بين الدموع والخذلان

اليمن بين المنافي والجراح :  عيدٌ آخر من الصبر والدموع بين الوطن والشتات :  عيدٌ آخر يمرّ بين الدموع والخذلان

شذرات إستراتيجية

بسم الله الرحمن الرحيم 

مـــصـــطــفـــى بن خالد

 

يحلّ العيد مرة أخرى على اليمن، لكنه لا يحمل معه إلا ظلّاً باهتاً لما كان عليه يوماً . 

 

يطرق الأبواب بحذر، يخشى أن يوقظ في القلوب جراحاً لم تلتئم، وأن يذكّر الجميع بأن الفرح في هذا الوطن صار رفاهية لا يملكها كثيرون . 

 

يأتي مثقلًا برائحة البارود، بحزن المدن المدمّرة، وبصمت القرى التي كانت يوماً تضجّ بالحياة .

 

 يأتي محمّلاً بدموع المغتربين الذين صار الوطن بالنسبة لهم مجرد صورة معلّقة على جدار الذاكرة، وبأنين الأمهات اللواتي يخبئن دموعهن خلف إبتسامات منهكة كي لا يسرق الحزن العيد من أعين أطفالهن .

 

في الشوارع، لا ضحكات ولا بهجة، بل أسواق مكتظة بأصوات الشكوى، وعائلات مرهقة تعيد ترتيب فتات الخبز على الموائد كي يبدو كوجبة، وأمهات يخفين حسرةً في أعماقهن لأنّ هذا العيد لم يحمل لأطفالهن “بدلة جديدة” كما اعتادوا . 

 

وبينما كان العيد يوماً مناسبة لاجتماع الأحبة، صار اليوم ذكرى ثقيلة تذكّر كل بيت بمن فقد، وكل قلب بما خسر .

 

في اليمن، لا عيد يأتي إلا محمّلاً بالصبر، ولا صباح يشرق إلا محاطاً بأسئلة لا إجابة لها : 

متى تنتهي هذه المأساة؟ 

متى يعود العيد كما كان؟

 

المحاربون… بين الإنهاك والتيه في حربٍ لا نصر فيها

 

على إمتداد الجبهات، تتشابه الوجوه رغم إختلاف الرايات، وتتوحد الملامح رغم تباين الشعارات . 

 

هناك، خلف المتاريس المحفورة في الأرض، وبين الخنادق التي صارت أوطاناً مؤقتة، يقف الجنود مرهقين، تتثاقل البنادق على أكتافهم، وتثقلهم الأسئلة التي لا تجد إجابة : 

إلى متى؟ إلى متى يقتسمون نفس التعب، نفس الخوف، ونفس الانتظار المعلّق بين الحياة والموت ؟

 

لقد أرهقتهم سنوات القتال الطويلة، استنزفت أعمارهم، سرقت منهم أحلامهم، وتركتهم في منتصف طريق لا نهاية واضحة له . 

 

بعضهم يقاتل دفاعاً عن قضية يؤمن بها، وبعضهم يقاتل لأنه لم يعرف يوماً طريقاً آخر، وبعضهم وجد نفسه وسط هذه الحرب دون أن يختار، لكنه يقاتل على أي حال، لأن التراجع ليس خياراً متاحاً .

 

لكن الحقيقة القاسية التي يدركها الجميع، ولو بصمت، هي أن هذه الحرب لا تمنح أحداً نصراً حقيقياً . 

 

كلهم خاسرون بطريقة أو بأخرى، فحتى من نجا بجسده، فقد شيئاً منه في هذه المعركة الطويلة، سواء كان ذلك صديقاً، حلماً، أو إحساساً بالحياة كما كان يعرفها يوماً .

 

المغتربون… 

جدار الصدّ الصامت وحملة الأوطان على أكتافهم

 

في المنافي البعيدة، وفي الأزقة المزدحمة بالغربة، يقف المغتربون كخط دفاع أخير عن وطنٍ ينهشه التعب . 

 

هم اليمن الذي ظلّ واقفاً رغم الانكسارات، الذين يحملون بلادهم على أكتافهم حيثما رحلوا، يرسلون ما يكفي ليبقى أهلهم على قيد الحياة، بينما يتآكلهم الشوق في صمت .

 

في النهار، يكدحون بصبر، يطاردون الرزق في شوارع غريبة، يحفرون أسماءهم على جدران مدن لا تنتمي إليهم، لكنهم لا ينسون للحظة أنهم هناك من أجل وطنٍ ينتظرهم. 

وفي الليل، حين ينفضّ الزحام، يعودون إلى وحدتهم، يفتحون شاشاتهم كنافذة تطل على اليمن، يتفقدون أخبار مدنهم، يقبّلون الأرض من بعيد، ويمسحون دمعة تأبى أن تسقط علناً .

 

الغربة ليست مجرد بُعد جغرافي، بل هي حنين يثقل القلب، شوقٌ يُخنق كل ليلة كي يبقى من في الداخل واقفاً . 

 

إنهم الجنود المجهولون في معركة البقاء، الذين يدفعون ثمن الحرب من أعمارهم، من أحلامهم، ومن غربتهم التي لا نهاية لها .

 

اللاجئون والمهجّرون… 

الوطن المعلّق بين الحدود والحنين

 

في زوايا أخرى من المشهد، بعيداً عن ضجيج المعارك، هناك من لم يختر القتال ولا النزوح، لكن الحرب اختارتهم لتلقي بهم خارج حدود أوطانهم، بعيداً عن البيوت التي بنوها بعرقهم، وعن الأزقة التي حفظت خطواتهم . 

 

هناك من فقد منزله، ومن فقد مدينته، ومن فقد وطنه بالكامل، ليجد نفسه في أرض غريبة، يحمل مفتاحاً لبيتٍ تهدّم، وحقيبة مثقلة بذكريات لاجئ لا يعرف متى يعود .

 

يتنقلون بين المخيمات كعابري سبيل، يبحثون عن زاوية دافئة تشبه بيوتهم التي تركوها قسراً، لكنهم يدركون أن لا شيء يمكنه أن يعوّض وطناً اقتُلعوا منه عنوة . 

 

يحلمون بالعودة، لكن العودة أحياناً تكون أصعب من الرحيل، فبعض الأوطان لا تعود كما كانت، وبعض القلوب لا تتحمل أن تراها وقد صارت غريبة عنها .

 

إنهم العالقون بين المنافي والحدود، بين الترحال والانتظار، بين الحنين والخذلان .

 لا هم استوطنوا المنافي، ولا الوطن مدّ إليهم يده ليستعيدهم. فهل سيبقى الوطن مجرد ذكرى تذوب مع الوقت، أم أن فجر العودة لا يزال ممكناً ؟

 

أمهاتٌ مفجوعات وأسرٌ منهكة… 

عيدٌ تكسوه الدموع والغياب

 

لا عيد في بيت غاب عنه صوت كان يملأه بالحياة . 

لا عيد في منزل تجلس فيه أمٌّ تحدّق في مكان ابنها الفارغ على المائدة، تُعيد ترتيب ذكرياته كما لو أن ذلك قد يعيده إليها . 

 

لا عيد لأبٍ يقضي ليله محدّقاً في صورة أبنه الذي رحل دون وداع، يراجع في ذهنه كل لحظة مضت، يبحث عن كلمة أخيرة ربما نسي أن يقولها .

 

في اليمن، لا تُعلَّق زينة العيد على الجدران، بل صور الشهداء والمفقودين .

 

 لا تُرفع أكفّ الدعاء ابتهاجاً، بل رجاءً بأن تنتهي هذه المأساة يوماً ما، وأن يعود أولئك الذين غيّبتهم الحروب والمنافي . 

 

تتكئ الأسر المنهكة على ذكرياتها، تحاول أن تستعير من الماضي لحظة فرح، لكنها سرعان ما تنكسر أمام حاضرٍ لا يمنحها سوى المزيد من الفقد .

 

في هذا العيد، كما في كل عيدٍ مرّ، هناك من ينتظر عودة من لن يعود، وهناك من يطرق الأبواب على أمل أن يفاجئه صوتٌ مألوف، وهناك من يختنق بدموعه كي لا يسرق الحزن العيد من قلوب الأطفال .

 لكنه عيد بلا ضحكات، بلا فرحٍ حقيقي، عيدٌ مرّ عليه الحزن كما مرّت عليه الحروب، ليتركه بارداً، ناقصاً، مثقلاً بالغائبين .

 

أعيادٌ بائسة وطفولةٌ مسلوبة… 

فرحٌ مؤجل إلى إشعار آخر

 

كان العيد يوماً موسم الفرح للأطفال، بملابس جديدة، وأحذية تلمع، ولعب صغيرة تكفي لإشعال بهجتهم . 

كان صباحه يبدأ بالضحكات، ورائحة الحلوى، وأحضان الأهل، لكنه اليوم يمرّ على آلاف الأطفال في اليمن كأنه يومٌ آخر من المعاناة، بلا بهجة، بلا انتظار، بلا حتى وعدٍ بفرحٍ مؤجل .

 

هناك من لم يتمكن والداه من شراء قطعة ملابس جديدة له، فارتدى ما لديه وكتم خيبته خلف ابتسامة صغيرة . 

وهناك من لم يجد حتى وجبة العيد المعتادة، فاكتفى بالنظر إلى موائد الآخرين .

 وهناك أطفال يعملون في الشوارع بدلاً من أن يلعبوا، يبيعون ما في أيديهم ليشتروا به طعاماً يسدّ جوع يومهم .

 

لكن الأسوأ من ذلك، هم أولئك الذين لا يعرفون حتى معنى العيد بعد أن اختطفتهم الحرب، بعضهم تحت الأنقاض، وبعضهم في المستشفيات، وبعضهم في السجون التي لا تعرف معنى الطفولة .

 

في اليمن، لا عيد للأطفال كما كان . 

هناك فقط أعياد بائسة، وطفولة مسلوبة، وأحلام صغيرة تُسرق عاماً بعد عام، حتى بات الفرح رفاهية مؤجلة إلى إشعار آخر .

 

عيدٌ من الصبر والألم… 

ووطنٌ لا يموت في القلوب

 

لم يعد العيد في اليمن موسماً للفرح، بل مناسبة أخرى للصبر، لا فرق بينه وبين أي يوم آخر سوى أنه يذكّر الجميع بما فقدوه . 

عيدٌ يمرّ بعيون دامعة، بقلوب مثقلة بالوجع، وبأرواح أنهكتها الحروب لكنها لم تستسلم بعد .

 

يمرّ العيد في الشوارع التي كانت تضجّ بالحياة، فلا يجد إلا الأسواق الصامتة، والمنازل التي خفتت فيها أصوات التهاني . 

يمرّ على المدن المنكوبة، على القرى التي تنتظر أبناءها الغائبين، على الأمهات اللواتي يعدن ترتيب الذكريات بدلاً من ترتيب موائد العيد، وعلى الأطفال الذين لم يعد الفرح جزءاً من يومهم .

 

ورغم الألم، رغم الحرب التي أطفأت بهجة الأعياد، رغم الفقد الذي يثقل القلوب، لا يزال هناك من يتمسك بالأمل .

 

لا يزال هناك من يؤمن أن اليمن، مهما اشتدت محنته، سيعود يوماً كما كان، وطناً طيّباً، يستحق أن يحلم به أبناؤه من جديد، ويستحق أن يشرق عليه صباحٌ مختلف، صباحٌ ليس فيه حرب، ليس فيه فقد، ليس فيه سوى الحياة كما يجب أن تكون .

 

كل عامٍ واليمن بخير… 

رغم أن الخير صار حلماً بعيداً

 

كل عامٍ واليمن يصارع أعياده كما يصارع أيامه العادية، بين الفقد والصبر، بين الحنين والألم، بين التمسك بالحياة والخوف من الغد . 

 

كل عامٍ وقلوب أبنائه مثقلة، تبحث عن فرحة ضائعة وسط أنقاض الحرب، عن بسمةٍ سرقتها الأيام، عن عيدٍ يشبه الأعياد التي كانت .

 

كل عامٍ وأمهات الشهداء يحضنّ صور أبنائهن بدلاً من أحضانهم، والأطفال ينتظرون صباحاً لا يأتي بالفرح .

 

 كل عام والمغتربون يقبّلون تراب الوطن من بعيد، ويكتمون وجعهم في صمت . 

 

كل عامٍ واليمن، رغم كل شيء، لا يزال واقفاً، لا يزال يقاوم، لا يزال يحلم .

 

كل عامٍ واليمن بخير… 

رغم أن الخير صار بعيداً، لكنه لم يمت .

كلمات المفتاحية:

0 تعليق

أضف تعليقك

إلى الأعلى